Skip links

الألعاب التعليمية في مدارس الرشد الأهلية: لُعبٌ، تعلّم، وعقولٌ تُزهر

في زوايا الفصول المشرقة بمدارس الرشد الأهلية، لا تجد الطالب جالسًا في صمتٍ رتيب، ينتظر أن يُلقَى إليه العلم كأنه حجرٌ ثقيل. بل تراه يركض بين الكلمات كأنها أزهارٌ يقطف منها المعنى، ويجمع الأرقام كحبّات عقدٍ ينسج منها منطقه الخاص. فهنا، حيث يلتقي الحُبّ بالتعلّم، تصبح اللعبةُ لغةً، والمرحُ منهجًا، واللعبُ طريقًا إلى العقل لا هروبًا منه.

ما أجمل أن يتعلّم الطالب الجمعَ عبر لعبة “سوق الرشد“، حيث يشتري التفاح بعملاتٍ من الورق الملوّن، ويحسب الباقي وهو يضحك! وما أعذب أن يكتشف قواعد اللغة العربية وهو يركّب جملًا على شكل قطاراتٍ متنقّلة، كل عربةٍ فيها كلمةٌ تبحث عن أختها لتُكمل المعنى!

 إن الألعاب التعليمية في مدارس الرشد ليست زينةً للوقت، ولا مجرد تسليةٍ تُقطع بها الحصّة الأخيرة من اليوم الدراسي؛ بل هي فلسفة تربوية ترى في الطالب كائنًا فاعلًا، مبدعًا، قادرًا على أن يبني معرفته بيديه — أو بلعبةٍ بين يديه.

لقد أدركت مدارس الرشد الأهلية، منذ نشأتها، أن العقل لا ينمو في جوّ الجفاف، بل في تربةٍ رطبةٍ بالخيال، مُظلّلةٍ بالثقة، ومرويّةٍ بالمرح. فالطلاب لا يحفظون القواعد لأنهم خائفون من العقاب، بل لأنهم وجدوا فيها سرًّا يفتح لهم بابًا إلى عالمٍ جديد — عالمٍ قد يكون لعبة (Wordwall) . وفي هذا السياق، تتحول الأخطاء من عارٍ إلى فرصٍ للتعلّم، والتحديات من عقباتٍ إلى ألغازٍ تستحق الحل.

ولا يقتصر أثر هذه الألعاب على الحفظ أو الفهم فحسب، بل يتعدّاه إلى بناء الشخصية. ففي لعبة الفريق، يتعلّم الطالب التعاون دون وعظٍ طويل. وفي لعبة الأدوار، يمارس التعاطف حين يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو مُعلّمًا لدقائق. وفي لحظة الفوز أو الخسارة، يتدرب على الصبر، والعدل، واحترام الآخر — كل ذلك دون أن يشعر أنه “يُدرّب”، بل لأنه ببساطة “يلعب”.

ومن دواعي الفخر أن مدارس الرشد الأهلية لم تكتفِ باستيراد الألعاب الجاهزة، بل شجّعت معلّميها على ابتكار ألعابٍ تناسب واقع طلابها، وتلامس ثقافتهم، وتناغم لغتهم. فصارت اللعبةُ هنا أصيلةً، لا مستوردةً؛ عضويةً، لا مفروضةً. وهذا بالضبط ما يجعل التعلّم فيها تجربةً حيّةً، لا نسخةً مكرّرة.

في عالمٍ يتسارع فيه العلم، ويتعقّد فيه المستقبل، لم يعد الهدف من التعليم أن نملأ عقول الطلاب بمعلوماتٍ قد تصبح قديمة قبل أن يكبروا؛ بل أن نزرع فيهم حبّ الاستكشاف، وشغف السؤال، وقدرة العقل على التكيّف. وهنا، تبرز الألعاب التعليمية كجسرٍ ذكيّ بين الماضي والحاضر، بين المعلومة والحياة، بين الطالب والمعرفة.

فليُلعب إذًا!

وليُخطئ، وليُعد المحاولة، وليضحك، وليتساءل.

ففي كل لعبةٍ تُقام في فصول الرشد، لا يتعلّم الطالب درسًا فحسب؛ بل يتعلّم كيف يتعلّم…

وكيف يعيش. ومدارس الرشد الأهلية، في هذا المسار، لا تُدرّس فقط — بل تُزهر.

كتبه المشرف التربوي/ عبد الستار الألفي

Leave a comment